محمد الغزالي

116

فقه السيرة ( الغزالي )

وإن كنت تريد ملكا ملكناك علينا . وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا تراه لا تستطيع ردّه عن نفسك ، طلبنا لك الطب ، وبذلنا فيه أموالنا حتى تبرأ . فلما فرغ من قوله ، تلا رسول اللّه عليه الصلاة والسلام عليه صدر سورة فصّلت : حم ( 1 ) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ( 2 ) كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ( 3 ) بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ ( 4 ) وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ ( 5 ) قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ ( 6 ) الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ ( 7 ) . حتى وصل إلى قوله تعالى : . . . فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ ( 13 ) « 1 » . تخيّر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم هذه الآيات من الوحي المبارك ، ليعرّف محدّثه حقيقة الرسالة والرسول ؛ إنّ محمدا عليه الصلاة والسلام يحمل كتابا من الخالق إلى خلقه يهداهم من ضلال ، وينقذهم من خبال ، وهو - قبل غيره - مكلّف بتصديقه ، والعمل به ، والنزول عند أحكامه ، فإذا كان اللّه يطلب من عباده أن يستقيموا إليه ويستغفروه ، فمحمد عليه الصلاة والسلام ألهج الناس بالاستغفار ، وألزمهم للاستقامة ، وما يطلب ملكا ، ولا مالا ، ولا جاها ، لقد أمكنه اللّه من هذا كله فعفّ عنه ، وترفّع أن يمدّ يده إليه ، وبسط العطاء مما سيق إليه من خيرات ، فأنفق واديا من المال في ساعة من نهار ، وترك الحياة غير معقّب لذريته درهما . إن عتبة - باسم قريش - يريد أن يترك محمد عليه الصلاة والسلام الدعوة إلى اللّه ، وإقامة العدالة بين الناس ! ماذا تصير إليه الحياة لو أن صخرة من الأرض انخلعت عنها وصعدت إلى دارات الفلك تطلب من الشمس أو أي

--> ( 1 ) هذه القصة أخرجها ابن إسحاق في المغازي : 1 / 185 ، من سيرة ابن هشام ، بسند حسن عن محمد بن كعب القرظي مرسلا ، ووصله عبد بن حميد ، وأبو يعلي ، والبغوي من طريق أخرى من حديث جابر رضي اللّه عنه ، كما في تفسير ابن كثير : 4 / 90 - 91 ، وسنده حسن إن شاء اللّه .